محمد جواد مغنية

95

معالم الفلسفة الإسلامية ( نظرات في التصوف والكرامات )

وقد احتفظ المسلمون بهذه الروح في عهد الرسول وعهد أبي بكر وعمر ، حتى قام الخليفة الثالث عثمان بن عفان فضعفت الروح الاسلامية عند جماعة من الأصحاب ، وكثير غيرهم ، حيث تغلّب عليهم حب المجد والمال ، فكنزوا الذهب والفضة ، وشيدوا الدور والقصور ، واقتنوا العقارات والجواري والعبيد . وقابل المؤمنون الصادقون هذا التحول بالثورة والاستياء ، كما حدث للصحابي الجليل أبي ذر الغفاري مع عثمان ومعاوية . ووجدت فئة من المسلمين تدعو إلى احتذاء الرسول ، والاقتداء به وبالصالحين من أصحابه ، وكان وجود هذه الفئة ردة فعل لإشاعة الترف والبذخ في عهد الأمويين والعباسيين . ولم تتعد في دعوتها تعاليم القرآن والسنة النبوية ، ولكن هذه الفكرة ، فكرة الزهد والاعتدال تطورت بمرور الزمن ، ودخلت في أدوار عديدة ، حتى اطلق فيما بعد على أصحابها اسم المتصوفة ، وقد اشتهروا بهذا الاسم قبل المئتين من الهجرة . أدوار التصوف 1 - كانت البذرة الأولى لفكرة التصوف هي الزهد ، وقد أشرنا إلى الاحتفاظ بالتوازن بين النزعة المادية والروحية فلا تطغى أحداهما على الأخرى . وكان زعيم هذه الدعوى أبا ذر الغفاري . 2 - ثم أصبحت هذه الفكرة طريقا للمعرفة عند المتصوفة ، فالعلم بزعمهم لا يحصل من الاستدلال والتعلم ، ولا من المدارس والمعاهد ، بل من المساجد والمعابد ، من التعبد والتهجد ، وكبح الشهوات . فمتى أخلص الإنسان للّه في أعماله ، وصدق في أقواله القى اللّه العلم في قلبه القاء . قال ابن رشد في كتاب « الكشف عن مناهج الأدلة » : أما الصوفية فطرقهم في النظر ليست طرقا نظرية مركبة من مقدمات وأقيسة ، وانما